القرطبي

269

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الله أمواتا بل أحياء " قال : لما أصيب حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ورأوا ما رزقوا من الخير قالوا : ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رغبة ، فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم ، فأنزل الله تعالى : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا - إلى قوله : لا يضيع أجر المؤمنين " . وقال أبو الضحى : نزلت هذه الآية في أهل أحد خاصة . والحديث الأول يقتضي ( 1 ) صحة هذا القول . وقال بعضهم : نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا ، ثمانية من الأنصار ، وستة من المهاجرين . وقيل : نزلت في شهداء بئر معونة ، وقصتهم مشهورة ذكرها محمد بن إسحاق ( 2 ) وغيره . وقال آخرون : إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة وسرور تحسروا وقالوا : نحن في النعمة والسرور ، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور . فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم . قلت : وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النزول بسبب المجموع فقد أخبر الله تعالى فيها عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يرزقون ، ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب ، وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين ، وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم . وقد اختلف العلماء في هذا المعنى . فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه ، وأن حياة الشهداء محققة . ثم منهم من يقول : ترد إليهم الأرواح في قبورهم فينعمون ، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون . وقال مجاهد : يرزقون من ثمر الجنة ، أي يجدون ريحها وليسوا فيها . وصار قوم إلى أن هذا مجاز ، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة . وهو كما يقال : ما مات فلان ، أي ذكره حي ، كما قيل : موت التقي حياة لا فناء لها * قد مات قوم وهم في الناس أحياء

--> ( 1 ) كذا في أوح‍ . وفى د : يقتضى هذا القول ، وفى ب وج‍ وه‍ : يقضى بصحة الخ . ( 2 ) راجع سيرة ابن هشام ص 64 طبع أوروبا .